التمسك بالماضي والمضي نحو المستقبل.. “عروس التراث” تفوز في أوساكا
15 أكتوبر 2026 ــ 9:30 م | د. سهام آل حيدر

عروس من عسير تتألق في أوساكا
في يونيو 2026، فاز فيلم وثائقي قصير صُوِّر في جبال جنوب المملكة العربية السعودية بجائزة “أفضل فيلم قصير جداً” في مهرجان “أوساكا هورايزن” الدولي للأفلام. يحمل الفيلم عنوان “عروس التراث”، وهو من إبداع الدكتورة سهام آل حيدر، الأستاذ المشارك في قسم اللغة الإنجليزية. وقد ساهم هذا التكريم في أوساكا -وهي واحدة من كبرى المدن الثقافية في اليابان- في نقل صورة الزي التقليدي لنساء عسير إلى جمهور عالمي؛ تلك الصورة التي تبرز فيها المنديل الأصفر ، والحلي الفضية الثقيلة، وطبقات الأقمشة المطرزة.
تكتسب هذه الجائزة أهميتها لسبب بسيط؛ إذ تم تسليط الضوء في مهرجان دولي بعيد عن الوطن على قصة متجذرة في منطقة محددة، ومرتبطة بأيدٍ صانعة وأزياء تقليدية بعينها. وتُثبت هذه النتيجة أن التراث لا يحتاج إلى ترجمة لكي ينتشر عالمياً، بل يحتاج إلى راوٍ يتقن فن تقديمه وصياغته.
يتتبع هذا المقال تلك الرحلة؛ بدءاً من الفيلم وصانعته، ومروراً بالمهرجانات التي استضافته في الولايات المتحدة والشرق الأوسط وأوروبا واليابان، ووصولاً إلى دلالة هذا الفوز بالنسبة لـ “رؤية السعودية ٢٠٣٠” وللرسالة الأوسع المتمثلة في مشاركة الثقافة السعودية مع العالم.
“عروس التراث”: جمالٌ منسوج في ثنايا الحياة اليومية
تبدأ قصة فيلم “عروس التراث” من عسير، تلك المنطقة الجبلية الواقعة في جنوب المملكة العربية السعودية. تشتهر عسير بأهميتها التاريخية وتضم أكبر تجمع للقرى التراثية في المملكة، مما يجعلها مستودعاً حيوياً للإرث الثقافي السعودي؛ فهي البيئة الطبيعية المثالية لفيلم يتناول قصص النساء اللواتي ساهمن في تشكيل ذلك الإرث. الفيلم متاح للمشاهدة عبر منصة يوتيوب.
يسلط الفيلم الوثائقي الضوء عن كثب على الأزياء والحلي التقليدية التي ميزت الأجيال السابقة؛ إذ يتتبع المنديل الأصفر و”الشيلة”، ويوثق الطريقة المميزة التي كانت النساء يلففن بها القماش حول خصورهن أثناء الاستعداد للعمل في الحقول. ومن خلال الصور الحية والسرد القصصي المؤثر، تتجاوز هذه التفاصيل كونها مجرد أزياء، لتكشف كيف كان الجمال والعمل اليومي يتعايشان جنباً إلى جنب. في مقابلة مع القائمين على جوائز مهرجان كان السينمائي، أوضحت الدكتورة آل حيدر أن المشروع يستكشف التراث المادي وغير المادي للمملكة العربية السعودية من خلال السرد البصري والصوت، مشيرةً إلى أن طموحها يتمثل في الحفاظ على التراث العسيري كحضورٍ حي للأجيال القادمة. وتستمد الدكتورة إلهامها من الطبيعة، ومن الحياة اليومية لكبار السن، ومن القصص والحِكم المتوارثة عبر الأجيال. وعند سؤالها عن قدوتها، لم تذكر شخصاً بعينه، بل أشارت إلى الروح الجماعية للثقافة السعودية ذاتها، بما تحمله من قصص وتقاليد وأصوات. وتصف تجربة التصوير -التي استمرت يوماً كاملاً في مواقع نائية- بأنها كانت مفعمة بالبهجة والانغماس في التجربة، لافتةً إلى أنها نجحت في إتمام المهمة رغم ارتدائها حذاءً بكعب عالٍ وسط تضاريس القرية الوعرة.
يُعد الفيلم في جوهره تحيةً وتقديراً؛ إذ يقدّم الأزياء كشاهدٍ على صمود ورقيّ النساء اللواتي ارتدينها، ويدعو المشاهدين في كل أنحاء العالم لرؤية منطقة عسير بوصفها مكاناً لتاريخٍ حيٍّ يتجسد في ما يُرتدى من ملابس. وتقف خلف الكاميرا باحثةٌ أهّلها مسارها المهني والشخصي تماماً لهذه المهمة.
من علم اللغة إلى التراث الحي
بصفتها أكاديمية ومن أبناء منطقة عسير، تتنوع اهتماماتها البحثية لتشمل الأنثروبولوجيا، وعلم اللغة التطبيقي، وعلم اللغة الاجتماعي، والسيميائيات، والإثنوغرافيا، ودراسات اللغة ولقد تلقت تدريبها في علم اللغة بجامعة فلوريدا، وعملت لاحقاً باحثة زائرة ضمن برنامج “فولبرايت” في جامعة ولاية أريزونا.
تشترك هذه المجالات في نهج فكري واحد؛ فهي تُعلّم الباحث كيفية استنباط المعاني مما يقوله الناس، وما يبنونه، وما يرتدونه فعلى سبيل المثال الوشاح، والقلادة الفضية، وثنيات الرداء الملتف حول الخصر، كلها تحمل دلالات ورموزاً، وتتعامل معها الدكتورة آل حيدر بالقدر نفسه من الاهتمام والعناية التي توليها للغة.
وقد قادها هذا النهج إلى توثيق الأزياء والعمارة التقليدية في القرى التراثية. حيث يجمع أسلوبها بين الأصالة والحداثة؛ إذ تعمل على إحياء الأزياء النسائية والمجوهرات التقليدية عبر دمج عناصر عصرية، مما يتيح ارتداء التراث وتقديره في العصر الحالي بدلاً من الاكتفاء باستحضاره كذكرى. وتلخص فكرتها في عبارة موجزة: “التمسك بالماضي والمضي قدماً نحو المستقبل”. ومن هنا، انتقلت هذه الفلسفة إلى الشاشة عبر فيلم “عروس التراث” الذي سرعان ما لاقى تفاعلاً إيجابياً من الجماهير في المجتمع الغربي.
رحلة عبر المهرجانات والقارات
قبل محطة أوساكا، كان فيلم “عروس التراث” قد حقق سجلاً متميزاً قلّما تحققه الأفلام الوثائقية القصيرة؛ إذ تضمنت مسيرته في المهرجانات عشرة اختيارات رسمية، وفوزاً بجائزة، ووصولاً إلى نصف النهائي، وأربع شهادات تقدير. وشملت هذه الإنجازات الوصول إلى نصف النهائي في مهرجان كان العالمي للأفلام في عام ٢٠٢٥، والفوز بجائزة رسمية في مهرجان أوساكا هورايزن الدولي للأفلام عام ٢٠٢٦.
وتتسم خريطة هذه التكريمات بالتنوع تماماً كتنوع جمهور الفيلم؛ فقد جاءت من أربع وجهات أمريكية (بنسلفانيا، وأريزونا، ولوس أنجلوس، ونيويورك)، ومن تركيا واليونان، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والبرتغال، ثم جاءت محطة أوساكا لتضيف اليابان إلى هذه الخريطة، وتمنح الفيلم أرفع تكريم له.
يحمل هذا الانتشار دلالة مهمة؛ فجمهور المهرجانات والقائمون على برامج العرض في تلك الدول لا يتشاركون اللغة أو التاريخ الخاص بمنطقة عسير، ومع ذلك تفاعلوا مع صور الفيلم ورسالته. وتلك هي القوة الناعمة للسرد القصصي الثقافي: حيث يمكن لوشاح (المنديل الأصفر) وقلادة فضية أن يفتحا باباً للحوار مع أشخاص لم تطأ أقدامهم أرض المملكة قط. إن القصص التي تنجح في الوصول إلى أوسع نطاق هي تلك التي تستند إلى إطار أوسع وأشمل؛ وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، يحمل هذا الإطار اسماً محدداً: “رؤية المملكة ٢٠٣٠”.
الثقافة في صميم رؤية ٢٠٣٠
منذ إطلاقها في عام 2016، ارتكزت “رؤية المملكة 2030” على ثلاثة محاور رئيسية: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وتأتي الثقافة والتراث في قلب المحور الأول منها؛ إذ لا يُنظر إلى الفنون والتراث باعتبارها مجرد عناصر تجميلية، بل هي ركائز للهوية الوطنية، ومصدر لشعور الناس بالفخر والانتماء، وبوابة تفتح آفاقاً جديدة للمبدعين ورواد الأعمال.
وتُعد منطقة عسير نموذجاً يبرز أهمية هذا الأمر؛ فقرية “رجال ألمع” التراثية -التي تقع على بعد نحو 45 كيلومتراً غرب مدينة أبها- تضم قرابة 60 قصراً متعدد الطوابق شُيدت باستخدام الحجر والطين والخشب، وقد أُدرجت ضمن القائمة التمهيدية لمواقع التراث العالمي لدى منظمة اليونسكو في عام 2015. كما أبدعت نساء المنطقة في فن “القط العسيري” -وهو فن تقليدي لتزيين الجدران الداخلية- الذي أدرجته اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي في عام 2017. وتجسد هذه العناصر مجتمعةً وجهي التراث: المباني الملموسة التي يمكن للناس لمسها، والمعارف والمهارات التي يحملها الناس بين أيديهم.
ويأتي فيلم “عروس التراث” ليكون جزءاً من هذه القصة؛ فهو يوثق الأزياء التقليدية والمجوهرات والمهارات المرتبطة بها، ليجمع بذلك بين التراث المادي وغير المادي في آن واحد على الشاشة. كما ينقل هذا التراث عبر الحدود في قالب يلامس مشاعر الجمهور في غضون ثوانٍ معدودة. وهذا بالضبط ما تسعى إليه الأجندة الثقافية للرؤية: الحفاظ على ما هو ثمين، وتقديمه للعالم بكل ثقة واعتزاز.
وتعمل وزارتان على تحويل هذا الطموح إلى استراتيجية ملموسة، حيث ينسجم مضمون الفيلم بشكل طبيعي مع أهداف كلتا الوزارتين.
خدمة أهداف الثقافة والسياحة
تتمحور أعمال وزارة الثقافة -التي تأسست في يونيو٢٠١٨ – حول ثلاثة أهداف رئيسية: تعزيز الثقافة كأسلوب حياة، وتمكين الثقافة من المساهمة في النمو الاقتصادي، وخلق فرص للتبادل الثقافي الدولي. وتحدد الاستراتيجية الوطنية للثقافة ستة عشر قطاعاً، بدءاً من التراث والسينما والأزياء ووصولاً إلى الفنون البصرية وفنون الطهي. ويلامس فيلم “عروس التراث” العديد من هذه القطاعات في آن واحد؛ فهو عمل سينمائي يوثق التراث، ويتناول الزي التقليدي باعتباره أزياءً حية ومعاصرة ويروي أهازيج المنطقة . كما يخدم الفيلم الهدف الثالث بشكل مباشر، إذ يُعد تكريم قصة سعودية في أوساكا تجسيداً عملياً للتبادل الثقافي الدولي.
في المقابل، تسعى وزارة السياحة لتحقيق هدف مختلف ولكنه مترابط؛ فقد تجاوزت المملكة العربية السعودية هدفها الأولي المتمثل في استقطاب ١٠٠ مليون زيارة قبل الموعد المحدد، وتطمح الآن للوصول إلى ١٥٠ مليون زيارة بحلول عام ٢٠٣٠.
ويعتمد تحقيق هذا الرقم على منح الزوار أسباباً لاستكشاف وجهات تتجاوز تلك الأكثر شهرة، ويُعد التراث الأصيل أحد أقوى هذه الأسباب. ففي عام٢٠٢١ ، اختارت منظمة السياحة العالمية قرية “رجال ألمع” في منطقة عسير ضمن قائمة “أفضل القرى السياحية”، ويساعد فيلم مثل “عروس التراث” المسافرين على تصور ما ينتظرهم هناك: القرى، والمنسوجات، والمشغولات الفضية، والسكان الذين يحافظون على حيوية هذه العناصر واستمراريتها.
وهكذا، تتكامل الثقافة والسياحة وتعزز كل منهما الأخرى؛ فالفيلم الذي يثير فضول المشاهد تجاه مكان ما يُعد، في جوهره، دعوة لزيارته. وتلك الدعوة هي الرابط الذي يربط هذه الجائزة بغاية أسمى وأشمل.
منصة عالمية للقصص السعودية
بالنسبة للدكتورة آل حيدر، تُعد جائزة أوساكا محطة هامة في المسيرة وليست غاية نهائية؛ إذ يتمثل هدفها في بناء منصة عالمية -من خلال شخصيتها وأعمالها- تروي القصص السعودية وتشارك العالم جمال المملكة. فهي تطمح لأن يتعرف الجمهور على المملكة من خلال تراثها المادي -مثل القرى والعمارة والملابس والمجوهرات- وكذلك من خلال تراثها غير المادي، المتمثل في المهارات والعادات والأهازيج وأنماط الحياة التي تضفي معنى وقيمة على تلك العناصر المادية. يستجيب هذا الهدف لمتطلبات رؤية ٢٠٣٠ ، ، ويدعم استراتيجيات وزارتي الثقافة والسياحة، وينسجم مع الرؤية التي توجه مسيرة العمل: التمسك بالماضي والمضي قدماً نحو المستقبل. فكل عرض للفيلم في الخارج يحوّل الموروث المحلي إلى إرثٍ مشترك، كما تساهم كل حواراتٍ يثيرها هذا العمل في تعزيز فهم العالم للمملكة العربية السعودية.
لقد بدأ فيلم “عروس التراث” كعملٍ يصور حياة نساء منطقة عسير، لكنه تحوّل -عبر عرضه في أوساكا- إلى دليلٍ على أن القصة المحلية، حين تُروى بعناية، يمكنها أن تخاطب العالم بأسره. إن العروس في الفيلم تحمل الماضي بوقارٍ ورقي، ويمنح التقديرُ الذي ناله الفيلمُ ذلك الماضيَ مكانةً في مستقبل العالم.
المصادر
• فيلم “عروس التراث” (Heritage Bride)، يوتيوب: الفيلم نفسه
• مقابلة مع سهام ال حيدر، جوائز مهرجان كان السينمائي: أهدافها من الفيلم، ومصادر إلهامها، وذكرياتها حول التصوير
• مهرجان أوساكا هورايزن الدولي للأفلام، قائمة الفائزين (12 أبريل – 14 يونيو 2026): تصنيف المهرجان لفيلم “عروس التراث” كأفضل فيلم قصير جداً (Micro Film)
• مهرجان أوساكا هورايزن الدولي للأفلام، منصة FilmFreeway: الملف التعريفي للمهرجان
• وزارة الثقافة، “سعوديبيديا” (Saudipedia): أهداف الوزارة الثلاثة والقطاعات الثقافية الستة عشر
• وزارة الثقافة (المملكة العربية السعودية)، ويكيبيديا: تاريخ التأسيس والاستراتيجية الوطنية للثقافة
• قطاع السياحة ضمن رؤية السعودية 2030، الهيئة السعودية للسياحة: تجاوز حاجز الـ 100 مليون زائر وهدف الوصول إلى 150 مليوناً بحلول عام 2030
• قرية رجال ألمع التراثية، مركز التراث العالمي لليونسكو: تقديم ملف الإدراج في القائمة التمهيدية عام 2015
• فن “القط العسيري”، التراث الثقافي غير المادي لليونسكو: تسجيله ضمن القائمة عام 2017
• رجال ألمع، مبادرة “أفضل القرى السياحية”: اختيارها ضمن القائمة عام 2021

2 hours ago
9












English (US) ·